فيضانات القصر الكبير: درس قاسٍ في المناخ وقصة قوية في التضامن
الصحافة المدرسية
لم يكن صباح القصر الكبير عادياً. المدينة التي اعتادت أن تستيقظ على إيقاع الحياة الهادئة، وجدت نفسها فجأة في قلب مشهد قاسٍ، حيث غلب صوت المياه المتدفقة على كل الأصوات، وتحولت الشوارع إلى مسارات موحلة، وأصبح الخروج من البيوت ضرورة لا خياراً. كتلميذ صحفي، تابعتُ ما نشرته الصحافة الوطنية، وما نقلته وسائل الإعلام الدولية، فبدت الصورة واحدة: تغيير مناخي حاد ومفاجئ يفرض نفسه بقوة على المملكة المغربية، بأمطار قياسية، ورياح عاتية، وامتلاء عدد من السدود عن آخرها، في مشهد يؤكد أن ما نعيشه اليوم لم يعد مجرد تقلبات عابرة.
في القصر الكبير، كان المنظر أكثر إيلاماً. أسرٌ كاملة تغادر منازلها على عجل، تحمل ما خفّ من المتاع وثقل القلق في العيون، متجهة نحو خيام نُصبت على عجل لإيواء المتضررين. لم يكن الخروج من البيت مجرد انتقال مؤقت، بل لحظة فراق مؤلمة مع مكان ارتبط بالذكريات والأمان. الأطفال كانوا الأكثر صمتاً، يراقبون المياه وقد ابتلعت الأزقة، ويتساءلون ببراءة عن موعد العودة، فيما التلميذات والتلاميذ شعروا بأن المدرسة والحقيبة والدفاتر صارت فجأة تفاصيل بعيدة أمام أولوية النجاة.
هذا الوضع الاستثنائي استدعى تدخلاً سريعاً وحازماً، تجسّد في التعليمات الملكية السامية التي أعطت إشارة واضحة بأن سلامة المواطن فوق كل اعتبار. تعليمات تُرجمت على الأرض بتجند شامل، حيث حضرت السلطات المحلية، والجيش، والأمن الوطني، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، في تنسيق يعكس روح الدولة حين تواجه الشدائد. هذا الحضور الميداني أعاد بعض الطمأنينة للساكنة، وأكد أن التضامن ليس شعاراً، بل ممارسة فعلية في الأوقات الصعبة.
وفي هذا السياق، برز الدور الإنساني الذي قامت به المديرية العامة للأمن الوطني، التي أعلنت عن تعبئة وحدتين متنقلتين لإنتاج الخبز لفائدة الساكنة المتضررة من ارتفاع منسوب وادي اللوكوس. فإلى جانب مهامها الأمنية، وفّرت هذه الوحدات ما يقارب 6000 وحدة من الخبز يومياً، مع قابلية رفع الإنتاج حسب الحاجيات، في خطوة إنسانية لقيت إشادة واسعة، خاصة وأن العملية تمت بتنسيق كامل مع السلطات المحلية وتحت إشراف أطر مختصة في السلامة الصحية، ضماناً لجودة ما يُقدَّم للمواطنين في ظرف استثنائي أُغلقت فيه عدة مرافق احترازياً.
وسائل التواصل الاجتماعي تحولت بدورها إلى فضاء للتضامن والأسف. صور الخيام، ومقاطع الأطفال تحت المطر، ورسائل الدعم القادمة من مختلف مدن المغرب، جسدت وعياً جماعياً بحجم المحنة. كنا، نحن التلاميذ الصحفيين، نشعر أن ما يحدث في القصر الكبير يمسنا جميعاً. تقول “م.ي.” إن مشهد إجلاء السكان جعلها تدرك معنى الأمن المناخي، فيما يرى “س.ك” أن التعليمات الملكية السريعة أنقذت الوضع ومنحت الناس أملاً في وسط الفوضى. أما “أ.ه” فيعتبر أن ما عاشته المدينة درس قاسٍ حول ضرورة الاستعداد للتغيرات المناخية، لكنه أيضاً درس في قوة التضامن الوطني.
الأطفال والتلميذات والتلاميذ في المناطق المتضررة عاشوا لحظات خوف وارتباك، لكنهم وجدوا في تعاطف زملائهم من مختلف الجهات سنداً معنوياً خفف عنهم وطأة الصدمة. رسائل بسيطة، رسومات، وكلمات تشجيع انتشرت بينهم، وكأن المدرسة امتدت من الفصول إلى الخيام، لتقول إن التعلم لا يتوقف حتى في أحلك الظروف.
ما حدث في القصر الكبير ليس حادثة معزولة، بل إنذار واضح بأن مناخ المملكة يشهد تحولات عميقة تتطلب يقظة دائمة واستعداداً جماعياً. وبين مياه غمرت الأحياء، وخيام احتضنت الأسر، وتجندٍ رسمي وشعبي، تبقى صورة مدينة غادرها أهلها مؤقتاً محفورة في الذاكرة، شاهدة على قسوة الطبيعة من جهة، وعلى قوة التضامن المغربي من جهة أخرى. وفي انتظار عودة السكان إلى بيوتهم، يظل الأمل قائماً في أن تتحول هذه المحنة إلى درس جماعي لبناء مستقبل أكثر أماناً وإنسانية
ما هو رد فعلك؟
يحب
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0