برلمان الطفل بجهة فاس مكناس: منبر تربوي وحقوقي يرسخ صوت الطفولة في مواجهة الاستغلال الاقتصادي
الصحافة المدرسية
من قلب مركز الملتقيات والتكوينات مولاي سليمان بفاس، تابعت الصحافة المدرسية بأكاديمية فاس مكناس تسجيلات أشغال الدورة الجهوية الأولى لبرلمان الطفل، فبدا لنا منذ اللحظات الأولى أن الأمر لا يتعلق بمجرد محطة تنظيمية عادية، بل بورش تربوي وحقوقي نابض بالحياة، يفتح أمام الأطفال فضاءً حقيقياً للتعبير، ويمنحهم فرصة الترافع حول قضاياهم الكبرى، وفي مقدمتها الحق في التعليم ومحاربة تشغيل الأطفال وكل أشكال الاستغلال الاقتصادي. وقد اتخذ هذا الموعد بعداً خاصاً بالنظر إلى غنى برنامجه، ونوعية المتدخلين فيه، وطبيعة الرسائل التي حملها في اتجاه ترسيخ ثقافة المواطنة وحقوق الطفل.
وقد استهلت أشغال هذه الدورة بجلسة افتتاحية وازنة، تميزت بحسن التنظيم وبالتقديم اللافت والمتميز الذي تولت تنشيطه سهام جنان، إطار بالمرصد الوطني لحقوق الطفل، حيث نجحت في إعطاء انطلاقة سلسة ومضبوطة لهذا الموعد الجهوي، وأحاطت مختلف فقراته بما يلزم من وضوح ورصانة، بما ساعد على إبراز رمزية الحدث وأبعاده التربوية والحقوقية. كما بدا واضحاً من خلال سير الجلسة أن الجهود التنظيمية المبذولة لم تكن وليدة اللحظة، بل ثمرة عمل متواصل يستحق التنويه، وفي مقدمة ذلك المجهودات التي تقوم بها الأستاذة حورية الظل، المكلفة بملف برلمان الطفل بأكاديمية جهة فاس مكناس، إلى جانب الأدوار الحيوية التي اضطلع بها المنسقون الإقليميون المكلفون بالملف، والذين ساهموا في التأطير والمواكبة والتنسيق، بما ضمن لهذه الدورة شروط النجاح والتأثير.
وجاءت مداخلة المرصد الوطني لحقوق الطفل في صدارة الكلمات الافتتاحية، حيث ألقى الأستاذ هشام بنهاشم كلمة نائبة رئيسة المرصد الوطني لحقوق الطفل، فقدم مضامينها بكثير من الوضوح والاقتدار، مؤكداً أن شعار هذه الولاية الانتدابية، “جيل يترافع من أجل مغرب آمن من الاستغلال الاقتصادي”، “ليس مجرد كلمة عابرة، بل هو التزام أخلاقي وبرنامج عمل”. وذكّر بأن برلمان الطفل، منذ تأسيسه سنة 1999، ظل فضاءً حياً للتعبير عن قضايا الأطفال ومدرسة للممارسة الديمقراطية والتربية على المواطنة والمسؤولية، مبرزاً أن التركيبة الجديدة لانتقاء الأطفال البرلمانيين تقوم على التمثيلية الواسعة والاستحقاق والتميز متعدد الأبعاد، بما يجعل من هذا البرلمان فضاءً دامجاً يعكس تنوع المجتمع الطفلي المغربي ويمنح الكلمة لمختلف فئاته. ولم تقتصر مساهمة الأستاذ هشام بنهاشم على تلاوة الكلمة فحسب، بل قدم أيضاً، بكل جدارة واستحقاق، عرضاً توجيهياً لفائدة الأطفال البرلمانيين حول اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، وحول المرصد الوطني لحقوق الطفل وآلياته وأدواره في حماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي، فعرّفهم بآليات الرصد والتتبع والترافع والتحسيس والتنسيق مع الشركاء، وبكيفية تفعيل الحماية المؤسساتية لفائدة الطفولة، كما توقف عند تأسيس برلمان الطفل وتركيبته الجديدة ودوره في تفعيل حق المشاركة. وقد تميز هذا العرض بتفاعل إيجابي وحي مع ملاحظات وأسئلة الأطفال البرلمانيين، الذين وجدوا أمامهم مؤطراً منصتاً وقريباً من انشغالاتهم، ما أضفى على اللحظة بعداً تربوياً وتشاركياً واضحاً.
وفي كلمته الافتتاحية، أبرز مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس مكناس أن برلمان الطفل في تركيبته الجديدة يعكس توجهاً منفتحاً على طاقات متنوعة في صفوف الأطفال، “لا تقتصر فقط على المتميزين دراسيا بل عبر طاقات إبداعية” يمكن أن تكون مصدر إغناء للنقاش العمومي حول القضايا التي تهم الطفولة. كما أكد أن الرهان التربوي اليوم يتمثل في جعل المدرسة فضاءً حقيقياً لتكافؤ الفرص، بما يتيح لجميع التلميذات والتلاميذ، في الوسطين القروي والحضري، وفي مختلف مناطق المغرب، فرصاً متساوية لاكتساب المعارف والمهارات الضرورية لبناء مستقبل أفضل لهم ولأسرهم.
ومن جهتها، شددت ممثلة وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة على أن هذه الدورة الجهوية تنعقد في إطار اتفاقية الشراكة المبرمة بين الوزارة والمرصد الوطني لحقوق الطفل، وتنفيذاً لبرنامج عمل برلمان الطفل في ولايته الانتدابية الجديدة 2026-2028، تحت الرئاسة الفعلية لصاحبة السمو الملكي الأميرة الجليلة للا مريم. وأكدت أن شعار هذه الدورة، “جيل يترافع من أجل مغرب آمن من الاستغلال الاقتصادي”، ليس مجرد عنوان رمزي، بل “برنامج عمل وتوجيه استراتيجي” يعكس وعياً حقيقياً بخطورة ظاهرة تشغيل الأطفال، باعتبارها انتهاكاً صريحاً لحق الطفل في التعليم والنماء والحماية. كما أوضحت أن الوزارة، انسجاماً مع مرتكزات خارطة الطريق 2022-2026، عملت على تضمين المناهج مضامين حقوقية، وتفعيل الأندية التربوية، وتعزيز مشاركة التلاميذ في مجالس المؤسسات، وتوطيد تجربة برلمان الطفل باعتبارها مدرسة للديمقراطية التشاركية والتربية على المسؤولية.
وقد شكلت فقرات اليوم الأول محطة تأسيسية مهمة في مسار هذه الدورة، إذ جرى تقديم أهداف الدورة الجهوية ورهاناتها العامة، تلتها لحظة تفاعلية أتاحت للأطفال البرلمانيين فرصة التعارف والانفتاح على بعضهم البعض في أجواء ساعدت على كسر الحواجز وبناء الثقة. كما تضمن هذا اليوم عروضاً ومناقشات همت اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، والمرصد الوطني لحقوق الطفل وآلياته ودوره في حماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي، إلى جانب التعريف ببرلمان الطفل من حيث نشأته وتركيبته الجديدة ووظيفته في تفعيل حق المشاركة. وقد وفرت هذه المضامين للمشاركين أرضية معرفية وتوجيهية متينة مهدت لمرحلة التنظيم الداخلي وصياغة التصورات الجماعية داخل الورشات
وفي جو يكرس الديمقراطية في أبهى تجلياتها، تم، قبل التئام الأطفال البرلمانيين في اللجان والورشات الموضوعاتية، تنظيم انتخابات داخلية لاختيار رئيس ورئيسة للجنة التحكيم ونائب ونائبة لهما. وقد مُنح جميع المترشحين القدر نفسه من الوقت لتقديم برامجهم وعرض دوافع ترشحهم أمام زملائهم، قبل المرور إلى عملية التصويت. وأسفرت هذه المحطة، تحت تصفيقات الجميع، عن انتخاب الطفلة البرلمانية نور الهدى دمراوي رئيسة للجنة التحكيم، والتلميذة سارة حتاني نائبة لها، كما تم انتخاب الطفل البرلماني وليد أريدان رئيساً للجنة التحكيم في صفوف الذكور، والطفل البرلماني محمد بنعسو نائباً له. وقد عكست هذه اللحظة وعياً مبكراً لدى الأطفال بأهمية الاحتكام إلى الاختيار الديمقراطي، ومارست من خلالها هذه النخبة الناشئة واحدة من أجمل صور التمرس على المسؤولية والتمثيل.
وبعد هذه المحطة التنظيمية، التأم الأطفال البرلمانيون خلال مساء اليوم الأول في أربع ورشات كبرى همت التعليم، والصحة، والحماية، والمشاركة، وهي محاور أساسية ترتبط في العمق بالحقوق اليومية للطفل. وقد نظم المشاركون أنفسهم داخل هذه الورشات، فعينوا المسيرين والمقررين، وتداولوا في ما بينهم مختلف القضايا المرتبطة بهذه المجالات، وقدموا آراءهم ومقترحاتهم في أجواء طبعتها الجدية وروح الإنصات والحوار. ومن موقعنا كصحافة مدرسية واكبنا هذه اللحظات، بدا واضحاً أن هذه الورشات لم تكن مجرد فقرات مبرمجة، بل شكلت فضاءً فعلياً لتعلم النقاش، وتبادل الرأي، وصياغة التصورات الجماعية حول سبل النهوض بحقوق الطفولة.
وإلى جانب المضامين الفكرية والتكوينية التي ميزت هذه الدورة، فقد حظي الأطفال البرلمانيون بظروف جيدة على مستوى الاستقبال والإقامة والتنقل، وهو ما انعكس إيجاباً على أجواء المشاركة وجودة التفاعل. وقد عبر عدد منهم عن ارتياحهم لهذه الظروف، وعن رضاهم عن مستوى التأطير والتكوين الذي تلقوه خلال مختلف فقرات البرنامج، كما أبدوا فخراً واعتزازاً بتمثيل زملائهم وزميلاتهم في هذه المحطة الجهوية. ولم يخف الأطفال أيضاً مشاعر الامتنان والتقدير لصاحبة السمو الملكي الأميرة الجليلة للا مريم، رئيسة المرصد الوطني لحقوق الطفل، على كريم عنايتها بالطفولة المغربية، وما توليه من دعم متواصل لهذه المبادرات التي تمنح الأطفال فرصة التعبير والمشاركة والترافع في قضاياهم.
وفي صباح اليوم الثاني، تعزز البعد التكويني للدورة من خلال لقاء أطرته المديرية العامة للأمن الوطني، خُصص لتقديم عرض حول دور ومهام ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث في حماية حقوق الطفل. وقد كان هذا الموعد مناسبة مهمة لتعريف الأطفال البرلمانيين بجانب من آليات الحماية القانونية والمؤسساتية، كما أتاح لهم فرصة التفاعل المباشر مع الأستاذة خديجة جنة، عميد شرطة ممتاز ورئيسة قسم الأحداث بالمصلحة الولائية للشرطة القضائية بفاس، التي قدمت شروحات دقيقة ومبسطة حول كيفية التكفل بالأطفال في وضعيات الخطر أو الهشاشة، وحول الأدوار التي تضطلع بها المصالح الأمنية المختصة في هذا المجال.
كما حمل برنامج الدورة محطة ميدانية بالغة الأهمية، تمثلت في زيارة الأطفال البرلمانيين إلى خلية التكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف بالمحكمة الابتدائية بفاس. وقد أتاحت هذه الزيارة للمشاركين فرصة التعرف عن قرب على الأدوار التي تضطلع بها المؤسسات القضائية في حماية الفئات الهشة، حيث استقبلهم السيد وكيل الملك، والقاضي المكلف بالأحداث بابتدائية فاس، ونائبة وكيل الملك المشرفة على خلية التكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، والتي قدمت لهم مختلف الشروحات المرتبطة بمساطر الاستقبال والتوجيه والمواكبة والحماية. وفي هذا الإطار، وجب إبراز دور مؤسسة رئاسة كتابة النيابة العامة باعتبارها المشرفة بشكل مباشر على عمل المساعدين الاجتماعيين العاملين بهذه الخلية، وبحكم ما تضطلع به من أدوار أساسية في ضمان التنسيق الإداري وتتبع مختلف مسارات التكفل والمواكبة داخل هذا المرفق القضائي. وقد شكلت هذه الزيارة امتداداً عملياً لما تمت مناقشته خلال الورشات والعروض، ورسخت لدى الأطفال وعياً أعمق بمسؤولية المؤسسات في التصدي لكل أشكال العنف والاستغلال
لقد كشفت هذه الدورة الجهوية الأولى لبرلمان الطفل بجهة فاس مكناس، كما عاينتها الصحافة المدرسية، عن تجربة تربوية وحقوقية متقدمة لا تكتفي بإشراك الأطفال شكلياً، بل تراهن على تمكينهم فعلياً من أدوات النقاش والتفكير والترافع. كما أبرزت أن حماية الطفولة لا يمكن أن تتحقق فقط عبر النصوص والشعارات، بل من خلال بناء وعي جماعي يبدأ من المدرسة، ويتغذى من العمل المؤسساتي المشترك، وينفتح على مختلف الفاعلين التربويين والحقوقيين والقضائيين والأمنيين.
وإذا كانت هذه المحطة قد نجحت في رفع صوت الأطفال عالياً ضد الاستغلال الاقتصادي، فإن قيمتها الأعمق تكمن في كونها رسخت لدى المشاركين معنى الانخراط المسؤول في قضايا الوطن، ومنحتهم فرصة التمرن على الديمقراطية والتمثيل والتفكير الجماعي. ومن هنا، فإن الأمل يظل معقوداً على أن تتحول مخرجات هذه الدورة وتوصياتها إلى قوة اقتراحية حقيقية، وأن تواصل هذه التجربة إشعاعها بما يجعل من برلمان الطفل مدرسة مواطنة متجددة، وصوتاً متقدماً من أجل مغرب يصون طفولته، ويحمي حقوقها، ويفتح أمامها أفقاً أكثر عدلاً وكرامة
ما هو رد فعلك؟
يحب
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0