الزيتون في القلب… حين تتحوّل الشجرة المباركة إلى مدرسة للحياة والإبداع
في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتتراجع فيه الصلة الحميمية بين الإنسان والطبيعة، تعود مدينة فاس لتؤكد رسالتها الحضارية من خلال احتضان الدورة الخامسة من مهرجان “الزيتون في القلب”، الذي تنظمه الجمعية المغربية لمساعدة الأطفال في وضعية غير مستقرة (AMESIP) خلال الفترة من 13 إلى 23 نونبر 2025. هو موعد متجدد مع الاحتفاء بالشجرة المباركة؛ رمز السلام والنور والتجذر والصمود، وفضاء يُعيد ربط الإنسان بأصوله الأولى، حيث تتقاطع الروح بالأرض، والمعرفة بالإبداع، والطبيعة بالهوية.
يأتي هذا الحدث الثقافي والفني والتربوي ليكرّس تقليدًا أصبح جزءًا لا يتجزأ من المشهد الثقافي بفاس، ويعكس فلسفة جمعية AMESIP التي جعلت من الفن وسيلة للتربية ومن الطبيعة منبعًا للتعلم. فمنذ تأسيسها سنة 1996، واعترافها كجمعية ذات منفعة عامة سنة 1998، اختارت الجمعية أن تمنح الشباب والأطفال الذين عاشوا تجارب صعبة فرصةً لاكتشاف ذواتهم واستعادة ثقتهم في المستقبل، عبر مبادرات تربوية خلاقة جعلت من الإبداع جسرًا للتمكين ومن التعليم بوابة للاندماج.
وعلى مدى عشرة أيام، ستعيش العاصمة الروحية للمملكة على وقع احتفالية متعددة الأبعاد، تُزاوج بين الطهي والذوق الرفيع، والفنون التعبيرية والموسيقى والمسرح، والأنشطة الرياضية والتكوينات العلمية، في مشهد تفاعلي يشارك فيه نخبة من الطهاة والفنانين والمبدعين والأساتذة والرياضيين من المغرب والخارج. تمتد فعاليات المهرجان أيضًا إلى مزرعة “نور فاس”، حيث تتعرّف الوفود على مسار زيت الزيتون من الجني إلى العصر، بما يعيد الاعتبار لجماليات الفلاحة التقليدية ومكانة الزيتون في الموروث المغربي والبحر-متوسطي.
ولا يتوقف المشروع عند الاحتفال والفرجة، بل يجعلهما مدخلًا تربويًا أصيلاً. فالأطفال المستفيدون من مراكز الجمعية — من مدرسة السيرك “شمسي” بسلا، ومدرسة الفروسية بعين عتيق، ومدرسة الفنون والحرف بفاس، ومركز “كان يا مكان… غدًا” — سيجدون في هذه التظاهرة فضاءً للتدريب العملي، وصقل المهارات، والتفاعل مع جمهور واسع، في تجربة تسمح لهم باكتشاف قدراتهم وتحرير طاقاتهم الإبداعية وتعزيز حس الانتماء لديهم.
وفي انسجام مع هذا النفس التربوي، ينفتح المهرجان هذا العام أيضًا على تجربة متميزة في مجال التربية الإعلامية، إذ ستتولى الصحافة المدرسية بأكاديمية جهة فاس مكناس مواكبة الحدث عبر تغطيات إعلامية، ومقالات، وحوارات صحفية ينجزها تلاميذ مراسلون تم تكوينهم وتأطيرهم في إطار برنامج الصحافة المدرسية. وبذلك، يتحول المهرجان إلى ورشة ميدانية للتمرس على الممارسة الصحفية، ويتيح لهؤلاء التلاميذ فرصةً فريدة للاحتكاك بتجربة ميدانية حقيقية، وصقل مهاراتهم في الكتابة، والتصوير، والتحرير، وإعداد الروبرتاجات، بما يسهم في تكوين جيل شاب واعٍ بأهمية الإعلام في خدمة القيم المجتمعية النبيلة.
ويولي المهرجان أيضًا أهمية خاصة للرياضة باعتبارها لغة عالمية، حيث ستنظم تظاهرات رياضية كـنصف ماراثون نور فاس وسباق للأطفال، في مبادرة تهدف إلى نشر قيم المشاركة والتعاون، وإبراز البعد الرياضي والسياحي لفاس عبر مسارات تمر عبر معالمها التاريخية وطبيعتها الفريدة.
إن مهرجان “الزيتون في القلب” ليس مجرد احتفال فني أو تظاهرة فلاحية أو رياضية، بل هو فعل ثقافي-اجتماعي يرسم طريقًا جديدًا للتربية وتنمية الشباب. هو رسالة أمل تُعلن أن الإبداع قادر على إعادة بناء الأرواح، وأن الطبيعة ليست مجرد محيط نعيش فيه، بل هي شريكة في التكوين والبناء. ومن خلال هذا الموعد السنوي، تثبت جمعية AMESIP مرة أخرى ريادتها في تحويل الثقافة والفن والرياضة إلى أدوات فعالة للاندماج والتمكين والنهضة الاجتماعية.
في مدينة عُرفت عبر التاريخ بأنها منارة علم وروح، يزهر الزيتون مرة أخرى، لا في الحقول فقط، بل في القلوب والعقول. ومن بين أغصانه تنبثق قصص أطفال وشباب وجدوا في هذا المهرجان مساحة للنمو والحلم، وفي شجرة الزيتون فلسفة للحياة… حياة تُعاش بكرامة، وإبداع يُبنى بالصبر، وأمل ينمو مثل غصن أخضر يتجه بثقة نحو السماء.
ما هو رد فعلك؟
يحب
5
لا يعجبني
0
حب
4
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
5