حين يصبح الصالون التربوي مدرسة ثانية… والتلميذ الصحفي شاهداً على ولادة معنى جديد للتربية

 0
حين يصبح الصالون التربوي مدرسة ثانية… والتلميذ الصحفي شاهداً على ولادة معنى جديد للتربية

الصحافة المدرسية

كان مساء 19 نونبر 2025 يحمل لنا نحن التلاميذ الصحفيين شيئاً يشبه البدايات الكبيرة. دخلنا مدرج المركز الجهوي للتكوينات والملتقيات بفاس بخطوات تجمع بين الحماس والرهبة، نحمل كاميراتنا ومسجلاتنا كما لو كنا نحمل أحلاماً صغيرة تبحث عن مكانها في عالم الصحافة المدرسية. فتح لنا السيد مدير الأكاديمية أبواب هذا الفضاء دون تردد، ومنحنا شرعية الحضور لا كمجرد متفرجين، بل كفريق يشارك في صناعة لحظة تربوية حقيقية.

منذ الجلسات الأولى أدركنا أننا أمام صالون تربوي لا يشبه اللقاءات الرسمية العابرة. بدا الفضاء حياً، محمّلاً بأسئلة كبرى عن التربية والحداثة وعن القيم التي تمنح المدرسة المغربية روحها. كان كل شيء يدعونا إلى التفكير: الأساتذة، المفتشون، النقاشات العميقة، والموضوع الذي اختير للمحاضرة، «التربية والحداثة: في قيم التربية والتربية على القيم». ولم يكن ممكناً أن يقود هذا النقاش إلا الباحث الذي يحمل مشروعاً فكرياً واضحاً في سوسيولوجيا القيم، الدكتور الخمار العلمي.

قبل مداخلته، خصّ ضيف الأكاديمية الكبير منصّة pressescolaire.com بتصريح تحدث فيه عن هيمنة الكفايات داخل المدرسة المغربية على حساب القيم. قال إن المشاكل التي تواجه المؤسسات التعليمية ليست دائماً نقصاً في المهارات، بل غياباً في المرجعيات التي تحفظ معنى الإنسان وقيمة العيش المشترك. شرح كيف أن الحرية، مثلاً، ليست شعاراً، بل أساساً تربوياً يمنح التلاميذ القدرة على التعبير والمشاركة وعدم البقاء في موقع المتلقي الصامت. ثم صاغ جملة سرت فينا كالضوء: «لا تربية بدون قيم، ولا قيم بدون حداثة، ولا قيم بدون مقدّس… والمقدس هو الإنسان».

كانت كلماته بالنسبة لنا درساً في الفلسفة التربوية، لكنه لم يتوقف عند ذلك. بعد نهاية الندوة، جلس معنا كما يجلس المعلم مع تلاميذه في فسحة هادئة. تحدث إلينا بتواضع العالم وتجربة المربي، وهنأنا على حضورنا وعلى شجاعتنا في الاقتراب من الميدان. قال إن الصحافة المدرسية ليست تقنية تصوير أو كتابة فقط، بل ممارسة تُعلّم كيف نرى العالم. كيف نختار زاوية الصورة، كيف نتقدم بسؤال، كيف نحرك الكاميرا، وكيف نلتقط الفكرة قبل أن نلتقط الصوت. شعَرنا أن الحوار معه كان صالوناً صغيراً داخل الصالون الكبير.

الحضور لم يمرّوا علينا مروراً عادياً. أثنت أستاذة على طريقة عملنا وقالت إن التلميذ حين يمسك الكاميرا ويتقدّم نحو المنصة يتحول من متلقٍّ إلى فاعل. مفتش تربوي رأى في حضورنا درساً للمؤسسات التعليمية، وأن الصحافة المدرسية بهذا المستوى يمكن أن تُعيد للتلميذ حس المواطنة والاندماج. كلمات بسيطة، لكنها كانت بالنسبة لنا اعترافاً بأن ما نقوم به ليس هواية، بل لبنة في مشروع تربوي أوسع.

الصالون التربوي نفسه كشف لنا عمق الدور الذي تلعبه الأكاديمية. هو لحظة تفكير جماعي في قضايا التدبير والتأطير والتكوين والممارسة الصفية، وفي الأسئلة الأخلاقية التي ترافق كل فعل تربوي. بدا لنا فضاءً ينفتح على المؤسسات وعلى المجتمع، وينتقل من الإدارة كإجراء إلى التربية كرسالة. وما زاد هذا الفضاء حياة هو تلك الثقة التي منحها لنا السيد مدير الأكاديمية، ثقة جعلتنا نرى أنفسنا جزءاً من الحوار التربوي، لا مجرد ملاحظين عند الهامش.

عندما غادرنا القاعة في نهاية الأمسية، لم نكن نحمل معنا صوراً فقط، بل معنى جديداً لدور التلميذ في المدرسة المغربية. شعرنا أن الصحافة المدرسية ليست نشاطاً جانبياً، بل جسراً يربط بين المتعلم ومؤسسات بلده. وأن الصالون التربوي ليس لقاءً أكاديمياً، بل مدرسة ثانية… وُلدت فيها عيون صحفية شابة.

خرج كل واحد منا وهو يحمل في دفاتره الجملة التي قالها الدكتور الخمار العلمي: «المقدّس هو الإنسان». وربما كان هذا هو الدرس الأعمق الذي تعلمناه في فاس ذلك المساء: أن التربية حين تضع الإنسان في المركز، تفتح الباب أمامنا جميعاً… لنرى، ونتعلم، ونحلم، ونكتب.

ما هو رد فعلك؟

يحب يحب 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 2