بين الحقيقة والإشاعة: حين يتعلّم التلميذ الصحفي معنى المسؤولية الإعلامية
الصحافة المدرسية
في زمنٍ أصبحت فيه الأخبار تنتشر بسرعة تفوق سرعة التحقق منها، يجد المتتبع نفسه أحيانًا أمام سيلٍ من المعطيات المتناقضة، حيث تختلط الحقيقة بالإشاعة، ويصبح الرأي العام عرضة للتضليل. كتلميذ صحفي بأكاديمية فاس مكناس، أتابع باهتمام ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا حين يتعلق الأمر بقضايا تمس الأمن العام وتثير القلق في نفوس المواطنين.
خلال الساعات التي تزامنت مع مباراة نهائي كأس إفريقيا لكرة القدم، راجت على بعض المنصات الرقمية أخبار تزعم تسجيل حالة وفاة ناتجة عن اعتداء إجرامي، وذهبت إلى حد الحديث عن ضحية مكلفة بحراسة المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط. خبر خطير، إن صحّ، كان سيعكس صورة قاتمة عن أجواء حدث رياضي يُفترض أن يكون عنوانًا للفرح والوحدة. غير أن بلاغ المديرية العامة للأمن الوطني جاء واضحًا وحاسمًا، نافياً بشكل قاطع كل هذه الادعاءات، ومؤكدًا أنه لم تُسجل أي حالة وفاة، لا في صفوف عناصر الأمن الخاص ولا بين المكلفين بجمع الكرات، ولا حتى أي واقعة مرتبطة بالشغب الرياضي بعد مراجعة المؤسسات الصحية المختصة.
من موقعي كتلميذ صحفي، أرى في هذا البلاغ درسًا عمليًا في أهمية الرجوع إلى المصادر الرسمية قبل تداول الأخبار أو تبنيها. فالإشاعة، حين تُنشر دون تحقق، لا تكتفي بتشويه الحقيقة، بل تزرع الخوف وتُقوّض الثقة في المؤسسات، وتسيء لبلد يستضيف تظاهرة قارية كبرى. كما أن تأكيد مصالح الأمن الوطني على إشعار السلطات القضائية المختصة وفتح أبحاث لتحديد المتورطين في نشر هذه الأخبار المضللة يبرز أن حرية التعبير لا يمكن أن تكون ذريعة لنشر الأكاذيب أو العبث بأمن المجتمع.
إن ممارسة الصحافة، حتى في إطارها المدرسي، ليست مجرد كتابة أو نقل لما يُتداول، بل هي مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهارة تقنية. وعلى التلميذ الصحفي، مثلما على الصحفي المهني، أن يكون حارسًا للحقيقة لا ناقلًا للإشاعة، وأن يتسلح بروح النقد والتحقق، خصوصًا في اللحظات الحساسة التي تتقاطع فيها الرياضة بالأمن وبالمشاعر الجماعية.
وتبقى هذه الواقعة، في نظري، مناسبة مفتوحة للتفكير في دورنا كشباب متعلم في ترشيد الفضاء الرقمي، وفي بناء إعلام مدرسي واعٍ يسهم في نشر المعلومة الصحيحة بدل الانسياق وراء الإثارة. فهل ننجح، نحن التلاميذ الصحفيين، في أن نكون جزءًا من الحل لا جزءًا من الضجيج؟ سؤال يظل مفتوحًا، بقدر ما يفتح أمامنا طريقًا نحو صحافة مسؤولة تُنصت للعقل قبل أن تُخاطب العاطفة.
ما هو رد فعلك؟
يحب
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0