"التقاسم المركزي" في فاس: عندما تتحول "المعالجة المكثفة" من إجراء إلى ثقافة تدريس فعال

 0
"التقاسم المركزي" في فاس: عندما تتحول "المعالجة المكثفة" من إجراء إلى ثقافة تدريس فعال

الصحافة المدرسية

في سياق وطني يتسم بتسارع وتيرة تنزيل خارطة الطريق 2022-2026، وتحديداً في شقها المتعلق بتعميم نموذج "مؤسسات الريادة" بالثانوي الإعدادي، لم تعد مثل هذه اللقاءات التربوية مجرد محطات روتينية في روزنامة التكوين، بل أصبحت أشبه بمختبرات متقدمة لصناعة الفعل البيداغوجي المؤثر داخل الفصول الدراسية. من هذا المنطلق، تكتسي الورشات البيداغوجية التي تحتضنها مدينة فاس، ابتداء من يومه الأربعاء الخامس عشر من أبريل، أهمية استثنائية، ليس فقط لكونها تجمع أزيد من خمسين مفتشاً تربوياً يمثلون الأكاديميات الجهوية الاثنتي عشرة، بل لأنها تمثل لحظة فارقة في مسار الإصلاح: إنها المحطة التي يتم فيها تحويل تراكم المعطيات الميدانية ونتائج الزيارات الصفية إلى "عدة" تكوينية دقيقة تلامس حاجة الأستاذ داخل قسمه.

وتنعقد هذه الأشغال في ظروف تنظيمية ولوجستية جيدة، حيث وفرت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فضاءً ملائماً للإقامة والإيواء، مما ساهم في خلق مناخ من التركيز والانغماس التام في الورشات. هذا الجو الإيجابي انعكس بوضوح على دينامية النقاشات داخل القاعات، حيث يسود تفاعل عميق بين أعضاء الفريق المركزي المكلف بالتأطير والمفتشين الجهويين، في مشهد يؤكد أن الحوار المهني الهادف هو أقصر الطرق نحو تجويد الممارسات الصفية. وقد خُصص اليومان الأولان بالكامل للمواد العلمية، وتحديداً علوم الحياة والأرض والفيزياء والكيمياء، بالنظر إلى ما تطرحه هذه التخصصات من تحديات خلال فترة "الدعم المكثف" التي تتطلب آليات تدريس فعالة لمعالجة التعثرات.

وفي هذا الصدد، أوضح أحمد اغنينو، المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بفاس، في تصريح خص به الصحافة المدرسية، أن هذه الورشة تندرج ضمن مواصلة تقوية القدرات وتبادل التجارب الناجحة في سياق التحول العميق الذي تعيشه المنظومة التربوية. وأكد اغنينو أن الأمر لم يعد يقتصر على الجانب النظري، بل إننا نعيش، وفق تعبيره، تحولاً شاملاً يمس النموذج البيداغوجي المعتمد وفضاءات التجهيزات المدرسية على حد سواء. وأبرز المسؤول الإقليمي أن نسبة تغطية الإعداديات الرائدة على الصعيد الوطني بلغت 33 في المائة، مع طموح للوصول إلى 65 في المائة، وهو ما يجعل من ورشة فاس محطة ضرورية للتحضير لتكريم الفوج الثاني من الأساتذة المنخرطين في هذا النموذج. ولم يخف اغنينو اعتزازه بدور هيئة التفتيش التي قال عنها: "لم يَعُد دورها يقتصر على المراقبة فقط، بل أصبحنا نعيش المواكبة الميدانية والدعم داخل الفصول الدراسية"، موجهاً في ختام تصريحه شكره الخاص لأطر التدريس باعتبارهم الركيزة الأساسية في تنزيل هذا الإصلاح.

ولم يكن حديث السيد المدير الإقليمي سوى مقدمة واقعية لتحليل علمي عميق قدمه عبد الرحيم إفاضصن، المفتش التربوي منسق الفريق المركزي للتعليم الصريح لمادة الفيزياء والكيمياء. وفي تصريح أدلى به للموقع الإلكتروني للصحافة المدرسية بجهة فاس مكناس، وضع إفاضصن النقاط على الحروف فيما يخص فلسفة هذه المرحلة الجديدة من مسار الإصلاح. وأكد إفاضصن أن هذه المحطة التكوينية تنبثق مباشرة من البرنامج الثالث لخارطة الطريق، لكنها تحمل خصوصية جوهرية تتمثل في الانتقال الحاسم من "مرحلة الكم إلى مرحلة النوع والكيف". وأوضح المنسق المركزي قائلاً: "خلال المحطات السابقة كان الهدف هو تملك الفاعلين للنموذج وأهدافه الاستراتيجية، بينما خصوصية محطة فاس هي التدقيق وتملّك هذا النموذج من خلال تقاسم العدّة والتركيز على الممارسات الفعالة". وهو تصريح يفسر بوضوح سر التفاعل الكبير الذي تشهده الورشات بين المفتشين والخبراء المركزيين، حيث يشتغل الجميع على تشريح دقيق لمضامين التكوين استناداً إلى رصيد وثائقي غني من تقارير الزيارات الصفية، بهدف بلورة جهاز تكويني قادر على تعزيز اكتساب المتعلمين للكفايات العلمية الأساسية.

وفي لفتة تعكس نضج الفعل الإعلامي التربوي الموازي، كان لافتاً أن تكون تصريحات الفاعلين الرئيسيين في هذا الحدث النوعي حصرية لمنبر "الصحافة المدرسية" pressescolaire.com بجهة فاس مكناس. إن حضور هذا المنبر المتخصص في قلب ورشة وطنية كبرى لا يمثل مجرد تغطية صحفية تقليدية، بل يحمل دلالات أعمق ترتبط بفلسفة الإصلاح ذاته. فالصحافة المدرسية، وهي تنقل نبض هذا اللقاء إلى عموم الفاعلين التربويين، تتحول من ناقل للخبر إلى شريك بيداغوجي في مواكبة التحولات. فحضورها يؤكد أن إصلاح منظومة التربية والتكوين لم يعد شأناً إدارياً مغلقاً، بل صار ممارسة تواصلية شفافة تستدعي إشراك جميع مكونات المجتمع المدرسي، بما في ذلك الأندية التربوية والإعلام المدرسي، في فهم وتحليل ونقد مسار الإصلاح. كما أن اختيار الفاعلين المركزيين والجهويين للتصريح عبر هذا المنبر يمنح مصداقية لدور المتعلمين والأساتذة الصحفيين الصغار في إنتاج محتوى إعلامي جاد يواكب دينامية "مؤسسات الريادة"، مما يكرس ثقافة الاعتراف بالصوت المدرسي كفاعل حقيقي في المشهد التربوي الوطني.

إن ما يجري في أروقة هذه الورشات بفاس لا يقتصر على إعداد حقيبة تكوينية جديدة، بل هو إعادة تعريف لدور الممارسة البيداغوجية في زمن الإصلاح. ومع اختتام الأشغال، تبقى الأنظار معلقة بمخرجات هذا اللقاء المركزي، ليس فقط لأنه سيشكل مرجعية للدورات التكوينية المقبلة، ولكن لأنه يبعث برسالة طمأنة مفادها أن ورش مدارس الريادة لم يعد مشروع تعميم كمي، بل صار مشروعاً قائماً على دقة التشخيص، ونوعية التكوين، وجدية المواكبة الميدانية التي لن تؤتي أكلها إلا داخل جدران الفصول الدراسية، وبحضور إعلام مدرسي يوثق لهذه التحولات بوعي واقتدار.

ما هو رد فعلك؟

يحب يحب 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0